الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
48
تفسير روح البيان
بين إبراهيم وموسى الف سنة وبين موسى وعيسى الفي سنة فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث الا بعد عهده بأزمنة متطاولة ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جملة من مبتدأ وخبر صدرت بحرف التنبيه ثم بينت بجملة مستأنفة اشعارا بكمال غفلتهم اى أنتم هؤلاء الحمقى حيث حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من التوراة والإنجيل من نبوة محمد عليه السلام فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فيما لا ذكر له في كتابكم ولا علم لكم به من دين إبراهيم إذ لا ذكر لدينه عليه السلام في أحد الكتابين قطعا وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما حاججتم فيه فيعلمنا وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ اى محل النزاع ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا تصريح بما نطق به البرهان المقرر وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً اى مائلا عن العقائد الزائغة كلها مُسْلِماً اى منقادا للّه تعالى وليس المراد انه كان على ملة الإسلام والا لاشترك الإلزام وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعرض بأنهم مشركون بقولهم عزير ابن اللّه والمسيح ابن اللّه ورد لادعاء المشركين انهم على ملته عليه السلام إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ اى ان أحق الناس بدعواه انه على دين إبراهيم لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في زمانه وَهذَا النَّبِيُّ اى محمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم لأنه اتبعه وَالَّذِينَ آمَنُوا باللّه وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم من هذه الأمة لموافقتهم في أكثر ما شرعه لهم على الاصالة وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ينصرهم ويجازيهم الحسنى بايمانهم وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ اى أحبت لَوْ اى ان يُضِلُّونَكُمْ يصرفونكم عن دين الإسلام إلى دين الكفر وانما قال طائفة لان من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات اللّه وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ جملة حالية جيئ بها للدلالة على كمال رسوخ المخاطبين وثباتهم على ما هم عليه من الدين القويم اى وما يتخطاهم الإضلال ولا يعود وباله الا إليهم لما انه يضاعف به عذابهم وَما يَشْعُرُونَ اى باختصاص وباله وضرره بهم . اعلم أنه تعالى لما بين ان من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق والاعراض عن قبول الحجة بين انهم لا يقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول عليه السلام بإلقاء الشبهات . فعلى العاقل ان لا يضل عن الطريق القويم بإلقاءات كل شيطان رجيم من ضلال الانس والجان أصلحهم اللّه الملك المنان وماذا بعد الحق الا الضلال . قال ابن مسعود رضى اللّه عنه لما دنا فراق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جمعنا في بيت أمنا عائشة رضى اللّه عنها ثم نظر إلينا فدمعت عيناه وقال ( مرحبا بكم حياكم اللّه رحمكم اللّه أوصيكم بتقوى اللّه وطاعته قددنا الفراق وحان المنقلب إلى اللّه وإلى سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى يغسلني رجال أهل بيتي ويكفوننى في ثيابي هذه ان شاؤوا في حلة يمانية فإذا غسلتمونى وكفنتمونى ضعونى على سريري في بيتي هذا على شفير لحدي ثم اخرجوا عنى ساعة فأول من يصلى على حبيبي جبريل عليه السلام ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنودهم ثم ادخلوا على فوجا فوجا صلوا على ) فلما سمعوا فراقه صاحوا وبكوا وقالوا يا رسول اللّه أنت رسول ربنا وشمع جمعنا وسلطان أمرنا إذا ذهبت عنا فإلى من تراجع في أمورنا قال ( تركتكم على المحجة البيضاء ) اى على الطريق الواسع الواضح ليلها كنهارها في الوضوح ولا يزيغ بعدها إلى غيرها الا هالك ( وتركت لكم واعظين ناطقا وصامتا